هناك تعاريف كثيرة للتربية اختلفت باختلاف نظرة المربين و فلسفتهم في الحياة و معتقداتهم التي يدينون بها و قد و جد منذ القدم و إلى أيامنا هذه أنه من الصعب الإتفاق على نوع واحد من التربية تكون صالحة لجميع البشر و في جميع المجتمعات و تحت كل الأنظمة و في ظل كل المؤسسات السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية و رغم ذلك كان الحديث عن التربية و لا يزال يتناول كعنى التطور و التقدم و الترقي و الزيادة و النمو و التنمية و التنشئة.

فأفلاطون كان يقول : "إن التربية هي أن تضفي على الجسم و النفس كل جمال و كمال ممكن لها"

أبو حامد الغزالي يرى "إن صناعة التعليم هي أشرف الصناعات التي يستطيع الإنسان أن يحترفها و إن الغرض من التربية هي الفضيلة و التقرب إلى الله".

أما التربية في نظر الفيلسوف الألماني أمانويل كنت فهي : ترقية لجميع أوجه الكمال التي يمكن ترقيتها في الفرد.

أما جون ديوي كان يرى أن التربية هي الحياة و هي عملية تكيف بين الفرد و بيئته.

أما ساطع الحصري فيرى أن التربية هي تنشئة الفرد قوي البدن حسن الخلق صحيح التفكير محبا لوطنه معتزا بقوميته مدركا واجباته مزودا بالمعلومات التي يحتاج إليها في حياته.

و رغم إختلاف هذه التعاريف إلا أنها جميعا تقتصر على الجنس البشري و تعتبر العملية التربوية فعلا يمارسه كائن حي في كائن حي آخر و غالبا ما يكون إنسانا راشدا في صغير أو جيلا بالغا في جيل ناشيء و إنها جميعا تقر بأن التربية عملية موجهة نحو هدف ينبغي بلوغه علما بأن ذلك الهدف يحدد له غاية تهم المجموعة التي تقوم بالإشراف على العملية التربوية.

أما أحدث التعاريف المتداولة في معظم الكتابات عن التربية فهي : "عملية التكيف أو التفاعل بين الفرد و بيئته التي يعيش فيها و عملية التكيف أو التفاعل هذه تعني تكيف مع البيئة الإجتماعية و مظاهرها و هي عملية طويلة الأمد و لا نهاية لها إلا بإنتهاء الحياة"

ضرورة التربية

التربية عملية ضرورية لكل من الفرد و المجتمع معا فضرورتها للإنسان الفرد تكون للمحافظة على جنسه و توجيه غرائزه و تنظيم عواطفه و تنمية ميوله بما يتناسب و ثقافةالمجتمع الذي يعيش فيه و التربية ضرورية لمواجهة الحياة و متطلباتها و تنظيم السلوكيات العامة في المجتمع من أجل العيش بين الجماعة عيشة ملائمة.

و تظهر ضرورة التربية للفرد بأن التراث الثقافي لا ينتقل من جيل إلى جيل بالوراثة و لكنها تكتسب نتيجة للعيش بين الجماعة و إن التربية ضرورية للطفل الصغير لكي يتعايش مع مجتمعه كما أن الحياة البشرية كثيرة التعقيد و التبدل و تحتاج إلى إضافة و تطوير و هذه العملية يقوم بها الكبار من أجل تكيف الصغار مع الحياة المحيطة و تمشيا مع متطلبات العصور على مر الأيام.

أما حاجة المجتمع للتربية فتظهر من خلال الإحتفاظ بالتراث الثقافي و نقله إلى الأجيال الناشئى بواسطة التربية و كذلك تعزيز التراث الثاقي و ذلك من خلال تنقية التراث الثقافي من العيوب التي علقت به و التربية هنا قادرة على إصلاح هذا التراث من عيوبه القديمة و بهذا الإصلاح مع المحافظة على الأصول.

]أهداف التربية

الأهداف التربوية تدعو إلى الأفضل دوما و لهذا يمكن القول أن هناك مواصفات لا بد منها للأهداف التربوية كي تؤدي الغرض الذي وضعت من أجله لهذا فإنه من الواجب أن يكون الهدف التربوي :

1- عاما لكل الناس.

2- شاملا جوانب الحياة.

3- مؤدا إلى التوازن و التواقف و عدم التعارض بين الجوانب المختلفة.

4- أن يكون مرنا مسايرا لإختلاف الظروف و الأحوال و العصور و الأقطار.

5- صالحا للبقاء و الإستمرار و مناسب للكائن الإنساني موافقا لفطرته و غير متعارض مع الحق.

6- متوافقا غير متصادم مع المصالح المختلفة و أن يكون واضحا في الفهم و يفهمه المربي و الطالب.

7- أن يكون واقعيا ميسرا في التطبيق و أن يكون مؤثرا في سلوك المربي و الطالب.

إن الأهداف التربوية متعددة بتعدد الأمم و الشعوب كما إنها تتعدد بتعدد الفلاسفة و ما لديهم من أفكار بل هي متغيرة لدى العلماء أو الأمة الواحدة بتغير الزمان أو الظروف المحيطة بالأمة و تختلف الأهداف التربوية حسب الموقف لذلك فهي كثيرة العدد فالهدف من التربية في وقت السلم و في وقت الحرب شيء آخر.

[عدل]وظيفة التربية

1- نقل الأنماط السلوكية للفرد من المجتمع.

2- نقل التراث الثقافي و تعديل في مكوناته بإضافة ما يفيد و حذف ما لا يفيد.

3- تغيير التراث الثقافي و تعديل في مكوناته بإضافة ما يفيد و حذف ما لا يفيد.

4- إكساب الفرد خبرات إجتماعية نابعة من قيم و معتقدات و نظم و عادات و تقاليد و سلوك الجماعة التي يعيش بينها.

5- تنوير الأفكار بالمعلومات الحديثة.

[عدل]التربية عبر العصور

كان الإنسان يحيا حياة بسيطة و كانت متطلبات حياته قليلة من هنا كانت متطلبات العيش في تلك المجتمعات لا يكتنفها التعقيد لذا اتسمت متطلبات التربية البدائية بالتقليد و المحاكاة و كطان جوهرها التدريب الآلي و التدريجي و المرحلي أي أن لكل مرحلة من العمر نوعا خاصا من أنواع التربية و نظرا لأن المتطلبات الحياتية لم تكن معقدة و كثيرة فلم يكن هناك حاجة لمؤسسة معينة تقوم بنقل التراث رو تدريب النشء لأنه لم يكن هناك تراث ثقافي كبير و لم يكن من الممكن الإحتفاظ بما لدى الأفراد في تلك المجتمعات و كان يقوم بالعملية التربوية أو التدريبة و عملية تكيف الأفراد مع البيئة الوالدان أو أحدهما أو العائلة أو أحد الأقارب أما أنواع التربية التي كانت سائدة في ذلك العصر فهي التربية العملية التي تقوم على تنمية قدرة الإنسان الجسمية اللازمة لسد حاجاته الأساسية مثل الطعام و الملبس و المأوى وبالإضافة إلى التربية النظرية التي تقوم على إقامة الحفلات و الطقوس الملائمة لعقيدة الجماعة المحلية و كان يقوم بها الكاهن أو ساحر القبيلة أو شيخها.

التربية في العصور القديمة

مع ازدياد متطلبات الحياة اليومية و إنتقال الجنس البشري من مرحلة الإلتقاط و الصيد و الرعي إلى مرحلة أكثر إستقرارا و هي المرحلة الزراعية و في هذه الفترة ظهرت التخصصات المختلفة و تعقدت الشؤون الحياتية و أصبح من الصعوبة بمكان أن يقوم اتلوالدان أو أحدهما أو العائلة بعملية التربية لإنشغالهم في شؤونهم و كسب عيشهم و صار لا بد من وجود مؤسسة أو هيئة أو أفراد متخصصين يعتنون بالأجيال الصغيرة و ينقلون لها المعلومات و الخبرات و من هنا نشأت مهنة جديدة هي مهنة المربين أو أماكن العبادة أو تحت شجرة منعزلة و بعيدة عن جمهرة الناس و شيئا فشيئا نشأت المدارس النظامية و مع هذا التحول و التطور ظهرت الكتابة و بدأت تلك الشعوب و الحضارات تسجل نظمها و قوانينها و شرائعها و طريقة الحياة التي يرضونها و يرسمونها لمجتمعاتهمو من هنا وصلت إلينا بعض المعلومات عن تلك الحضارة القديمة و أساليبها التربوية و منها:

1- الحضارة الصينية التي كان غايتها تعريف الفرد على صراط الواجب الحاوي جميع أعمال الحياة أو علاقة الأعمال بعضها ببعض و أعمال الحياة هذه هي مجموعة العادات و التقاليد و النظم و كانت وظيفة التربية الصينية هي المحافظة على تلك المعلومات و السير بموجبها و كان يتم عن طريق المحاكاة و التكرار و ظلت هكذا إلى أن جاء كونفوشيوس كونغ تسي (551 - 478 ق.م) الذي أوجد مفهوما جديدا للتربية الصينية و هو البحث في مقتضيات الحياة و يعني ذلك البحث في الأنظمة و القوانين و الشرائع و الأخلاق و العادات و جميع شؤون الحياة.

2- التربية عند المصريين القدماء : إهتم المصريون القدماء اهتماما كبيرا في التربية و قد كانوا يرون أن المعرفة وسيلة لبلوغ الثروة و المجد و لذا أكثروا من المدارس و كانوا ينظرون إلى مهنة التدريس بإحترام و تقدير و يصنفونها من مهن الطبقة الأولى في المجتمع المصري و كان النظام التربوي في مصر القديمة مقسم إلى مراحل تعليم أولية للأطفال في مدارس ملحقة بالمعابد أو مكان خاص للمعلم و كان لديهم مرحلة متقدمة و هي عبارة عن مدارس نظامية يقوم بالتعليم معلون أخصائيون غير أن التعليم المتقدم على أبناء الفراعنة و الطبقة الأولى و الخاصة.

3- التربية عند اليونان و الرومان إمتازت التربية اليونانية بروح التجديد و الإبتكار و الحرية الفردية و تقبل التطور و التقدم و جعل اليونان غاية التربية عندهم أن يصل الإنسان إلى الحياة السعيدة الجميلة و يسجل التاريخ التربوي أن الإغريق هم أول من تناول التربية في زاوية فلسفية و كانت التربية محور اهتمام الفلاسفة في أثينا و قد كانت التربية اليونانية تربية علمية فنية مثالية.

أما التربية عند الرومان فكانت تشبه التربية عند اليونان إلى حد كبير فقد اقتبس الرومان أمورا كثيرة عن التربية اليونانية و لكن هناك فروقا جوهرية بين الثقافتين فقد كان فلاسفة اليونان بيحثون عن الغاية من الحياة و لكنهم لم يطبقوا ما توصلوا إليه بصورة عملية أما الرومان فقد اهتموا بالإستفادة من الابتكارات و النظرياتسواء كانت مقتبسة أو مبتكرة لتحسين أحوالهم المادية المحسوسة و بهذا كانت غاية التربية عند الرومان تربية عملية مادية نفعية و غاية التربية عند الرومان أيضا هي إنشأ الفرد المتمرس في الفنون العسكرية و المتدرب على شؤون الحياة.

4- التربية عند العرب : كانت العائلة هي أهم وسائط التربية عند العرب خاصة البدو منهم و قد تشارك العائلة في التربية و أهم ما يتعلمه البدوي الصيد و الرماية و إعداد آلات الحرب و عمل ىلآنية و دبغ الجلود و غزل الصوف و حياكة الملابسو تربية الماشية و كانت وسيلة التربية في تعليم ذلك هي المحاكاة و التقليد أو طريقة النصح و الإرشاد و الوعظ و التوجيه من كبار السن أو الوالدين أو الأقارب أو رؤساء العشائر و قد عرف البدو أنواع المدارس الكتاتيب و كانوا يتعلمون بها القراءة و الكتابة و الحساب.

أما الحضر فكانت تربيتهم تهدف إلى تعلم الصناعات و المهن كالهندسة و الطب و النقش و التجارة بأنواعها و كانت لديهم المدارس و المعاهد إلا أن هدف التربية العربية الأسمى كان بث روح الفضيلة و غرس الصفات الخلقية كالشجاعة و الإخلاص و الوفاء و النجدة عند الحاجة و كرم الضيافة.

]التربية في العصور الحديثة

في أواخر القرن الخامس عشر بدأت القوميات تظهر في أوربا و أنشئت الدول المستلقة و في القرن التاسع عشر لم تعد التربية موضوعا لتأملات الفلاسفة و لا من تخصص رجال الدين بل أصبحت علما أسس عقلية عملية و بدأت تظهر في العالم الأبحاث و الدراسات التربوية المختلفة و المتنوعة و كان للفلاسفة الإنجليز في هذا العصر دور كبير في تطور الفكر التربوي حيث كانوا يميلون إلى النزعة التجريبية و طابعها العلمي الذي يعتمد على الملاحظة و التجربة الدقيقة و اعتنوا بالطرق الإستقرائيةأما الفلاسفة الألمان فحالوا أن يربطوا نظرياتهم بأفكارهم المتصلة بالطبيعة الإنسانية و اهتموا بالتربية القومية و أبعدوا التربية الدينية عن المدارس.

[]التربية المعاصرة

لم تحتل الربية مكانا نافذا في أي عهد من العهود كما تحتله اليوم و إن الإهتمام بالتربية و العملية التربوية قد إزاد في العصر الحاضر و نتيجة لذلك تميزت التربية في العصر الحاضر عن غيرها بأنها متقدمة على تعليم و قد أصبح الطفل أو الإنسان الفرد هو محور التربية و أهتمت التربية بالرد كإنسان لكي يحقق نموه الإنساني و لكنها لم تهمل الجانب الإجتماعي و التكيف مع البجماعة التي يعيش بينها كما تعاونت التربية مع علم النفس لتقديم ما يناسب كل فرد على حده و تعاونت مع علم الاجتماع لكي تطبع الإنسان بطباع المجتمع الذي يعيش فيه و قد أصبحت التربية الحديثة ميدانية حياتية تعتمد على المواقفو الممارسات اليومية و طرحت التطبيق العلمي لمواجهة الحياة المتغيرة كما تم الاهتمام بعالمية التربية و ذلك بالتوسع في الدف التربوي من التكيف مع المجتمع المحلي إلى التكيف مع المجتمعات عامة أو التكيف مع الثافة الإنسانية و أصبح الهدف التربوي هو إعداد الإنسان الصالح لكل مكان و ليس المواطن الصالح لوطنه فقطكما أنه تم استعمال الأساليب الجديدة و ذلك باستعمال الأدوات و الأجهزة و المخترعات الحديثة في العملية التربوية و تسخير تلك الأدوات للتقدم و التطور الإنساني.

X
Loading